نجيب الدين السمرقندي
333
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
قبيل التعنّت . وقال القرشي : السبب المسخّن في حمى الدق وإن كان أقوى من السبب المسخّن الغب الّا أن حرارة الدق تكون أضعف من حرارة الغب بكثير بل من حرارة حمى اليوم ، ولا يلزم من كون السبب الفاعلي للشئ قويا أن يكون هو في نفسه قويا ، فقد يكون عسر قبول القابل يجعله ضعيفا . وتحقيق هذا : إن الأعضاء لصلابتها ويبوستها لا تقبل الحرارة الغريبة إلّا إذا كان سببها قويا جدا ، فإذا حصلت تلك الحرارة فيها لم تكن قوية ، بل كالحرارة التي تكون في الفحم الذي قارب أن يترمّد فإذا قلّت الرطوبة جدا ، صارت الحرارة فيها كالحرارة في الرماد نفسه ، فكانت الحرارة الغريبة إنما تقوى إذا كانت في جسم رطب ولذلك إذا وردت على أعضاء المدقوق رطوبة كالغذاء والشراب فإن حرارته تشتدّ وتشتعل ولذلك لما كانت رطوبة الأرواح أقل من رطوبة الأخلاط صارت حمى اليوم أقل حرارة من حمى الأخلاط مع أن الروح أحر واقبل للتسخين والاشتعال بسبب لطافتها وغلبة النارية فيها من الخلّط وأيضا لو كانت حرارة حمى الدق أقوى من حرارة حمى الغب لأدركه اللامس الصحيح المزاج وليس كذلك . وقال « الفاضل العلّامة » : أما قوله : « إن حرارة حمى الدق تكون أضعف من حرارة حمى الغب » ، فهي دعوى مجردة عن الدليل ، لأن قوله لا يلزم . . . الخ لا يدل على المطلوب أصلا « 1 » . وأقول : إن قوله : « لو كانت حرارة حمى الدق أقوى لأدركه
--> - المدقوقين كالحرارة المحتبسة في النورة فلا يقوى اللامسة على ادراكها أو لأن الحرارة في الدق متشبّثة بالأعضاء وهي أجسام صلبة يابسة فلا ينفصل عنها الأبخرة كما ينفصل عن الأخلاط بل ما ينفصل عنها من الأبخرة يكون قليلة دهنية غير حادّة ولا لذاعة خالية عن العفونة فلا يتأذّى عنها اللامس . ثم أقول : هذا مسلّم بحسب ادراك قوة اللامسة لكن لا يلزم منه أن يكون حراره الغب ضعيفة في نفس الأمر من حرارة الدق لأن حراره حمى الغب هي من حراره الحمى الحترقة وانما لا يحس كذلك لأنها ترمد الأعضاء فيكون كالنار الموجودة في الرماد . والمستدل على ذلك بأمرين : أحدهما ، إن تلك الحميات يعرض لها انطفاء بأدوية تستعملها فيها دون الأدوية التي تستعمل في معالجة حمى الدق ولا يؤثر فيها أثرا ظاهرا ولم يكن حرارة تلك الحميات أضعف لما كان كذلك . وثانيهما ، لو لم يكن حرارة هذه الحمى أشدّ ، لمّا يتحلل بسببها من رطوبات البدن حتى يجفّ الأعضاء أكثر ولمّا كان ذوبان البدن بسببها أشدّ . ( 1 ) . لان المطلوب هو أن حرارة الدق أضعف من حرارة الغب بكثير وذلك لا يدل عليه -